طفولته وشبابه 

ولد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1912م، ونشأ في كنف الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم الذي اشتهر بالورع والتقوى وسمو الأخلاق وحبه الكبير لمواطنيه، فصاحب السمو المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم لا يختلف اثنان على انه حاكم محبوب من شعبه بما اتسم به سموه، رحمه الله من حكمة وسعة صدر وخلق عظيم ورجاحة عقل وقدرة على مواجهة مثل تلك الظروف القاسية بصبر وإيمان عميق يكمن في نفس مؤمنة بأن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق العظيم. وترعرع الشيخ راشد رحمه الله وطيب ثراه في كنف شيخة فاضلة. والدته المرحومة الشيخة حصة بنت المر التي كانت لها مكانة خاصة في نفوس المواطنين. وهي كما يقول أهل دبي: 'إن حصة بنت المر كانت أماً ليست لراشد فحسب، بل أماً لدبي أجمعها'. وفي جو يسوده التقدير والاحترام المتبادل بين الحاكم والرعية نشأ راشد. وفي مناخ ديمقراطي فريد يقف فيه المواطن حراً طليقاً بفكره ولسانه ومنطقه أمام حاكم البلاد، معبراً عما يجول في نفسه دونما خوف أبداً. كان راشد رحمة الله عليه يراقب عن كثب أسلوب والده، المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، رحمه الله، فاقتبس ما شاء له ان يقتبس من صور تمثل الديمقراطية كما عرفها مجتمعنا دونما زيف أو تلوين، تلك الديمقراطية التي كانت تنبع من منبع عربي إسلامي بدوي أصيل. ومما لاشك فيه أن الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم رحمه الله، والشيخة حصة بنت المر رحمة الله عليها، كانا المؤثرين في حياة راشد. فهما اللذان أحاطاه بالرعاية والعناية الأبوية. تلقى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم دراسته الأولى في الكتاتيب في ذلك العصر الذي كانت تفتقر فيه المنطقة الى وجود المدارس النموذجية. وتعلم سموه ما شاء له أن يتعلم من علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها تلك المدارس في ذلك الحين.



ومع بداية الدراسة النظامية بمدرسة 'الأحمدية' التي أسست في أوائل هذا القرن ببر ديرة كان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم من أوائل الطلبة المنتظمين في فصولها، حيث نهل العلم من خيرة المعلمين الذين كانت تستوعبهم تلك المدرسة، فتفقه في العلوم الدينية الى جانب علوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا في وقت مبكر من عمره. ومنذ طفولته اتصف راشد بصفة الرجل المكتمل مختلفاً في تلك الصفة اختلافاً كبيراً عن رفاقه وزملائه. فقد كان أسلوبه في الحياة ينم عن فكر ناضج سابق لعصره. لم يكن راشد محباً للعب أو اللهو كغيره من الزملاء، لقد كان في شبابه شاباً مثابراً وجاداً وباحثاً عن كل ما يرفع الهامات ويسمو بالهمم، نحو الفضائل وسمو الغايات. ومنذ شبابه كان راشد حريصاً كل الحرص على ان يكون لدبي شأن خاص ومكانة خاصة وأسلوب مميز لا مثيل له في الاستعداد لمستقبل بدأ يلوح في الأفق. ويؤكد من عاصر راشداً من رفاق الصبا، أن سموه كان يلتهب حماساً ويتدفق نشاطاً من أجل أن يخلق من الصحراء مدينة حديثة تباهي في جمالها مدن العالم المعاصر.

وانطلق الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم منذ صباه الباكر نحو التشييد والبناء، وكان لابد له أن يحدث ثورة عمرانية لم تشهدها البلاد من قبل، ولكن كل ذلك يحتاج الى عطاء لا ينضب وجهد لا يعرف الكلل أو الملل، والشيخ راشد حباه الله سبحانه وتعالى هذه الميزة التي جعلت منه قائداً بارزاً منذ طفولته. وبكل ماتحمل كلمة 'قائد' من معان، برز راشد كقائد شاب منذ عهد شبابه الباكر، واستطاع بكل مقدرة أن يكسب من حوله الرجال كسباً قائماً على الكفاءة التي بدأت تظهر بوضوح على هذا القائد الشاب، والتي لمسها رفاقه فيه عن جدارة واستحقاق. اكتسب راشد من التجارب في بداية شبابه الشيء الكثير، وعلمته الأيام والسنون ما شاء لها أن تعلمه، فاتسعت درايته، ولمعت حنكته السياسية، وظهرت جدارته للعيان مبشرة بقدوم قائد فذ وسياسي محنك يشار اليه بالبنان. فراشد بن سعيد آل مكتوم كان قريباً من القرارات الهامة التي اتخذت من حين لآخر لادارة شؤون البلاد في تلك الحقبة التاريخية، وكان راشد في أحيان كثيرة الرجل المؤثر تأثيراً مناسباً وحكيماً فيما يصادفه من حالات تتطلب علاجاً خاصاً. وعلى هذا المنوال بدأت مسيرة هذا القائد، منوال الجد والحزم والعزم والمثابرة والتصميم وفرض الهيمنة الشرعية في ربوع البلاد، فكانت بحق بداية موفقة تكللت ولله الحمد بالنجاح في جميع مراحل انطلاقتها بعون من الله وتوفيقه. رحم الله قائد مسيرتنا وطيب ثراه، وبارك الله في أنجاله، ووفقهم إلى ما فيه خير البلاد وصلاح العباد.