الوقت عند راشد 

المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان رحمه الله وطيب مثواه يتعامل مع الوقت بطريقة الوقت نفسها، بالدقة المتناهية والالتزام الدقيق بالمواعيد، لادراكه أن الوقت يجب ألا يمر دون أن يستثمر لما فيه خير البلاد وصلاح العباد. لقد استطاع فقيد البلاد الكبير الراحل أن يولد لدى الناس هنا قناعة تامة هي ان مواعيد راشد ثابتة لا تتغير، دقيقة الى أبعد درجات الدقة. فقد كان لا يقبل على الاطلاق أن يحضر متأخراً لافتتاح أية مناسبة من المناسبات العديدة التي كان يحرص سموه كل الحرص على حضورها مهما كان ذلك التأخير بسيطاً، فإنه كان يمقت كل شيء اسمه 'تأخير الموعد'.

كم من إنسان تأخر عن الموعد خمس دقائق وفوجئ بأن راعي الحفل قد حضر قبله، فأحس ذلك الرجل بشيء من الحرج. كيف لا وقد وصل متأخراً بينما راشد بن سعيد، وهو الرجل المشغول حقاً، جاء في الوقت المحدد تماماً. احترام راشد للوقت ولد في العديد من المسؤولين الإحساس بأهمية الوقت، بل انه شدهم شداً كبيراً نحو العمل الجاد والتفاني المتعاظم. فحينما يكون المسؤول الأعلى قدوة يحتذى بها في الالتزام بمواقيت العمل، فإن الآخرين من حوله لا يكون لهم من مفر سوى تقليد مثلهم الأعلى. ونظراً لاهتمامه الكبير بالحضور للمناسبات في أوقاتها المحددة، فإن جمهور الحضور كان يسعدهم أن يجدوا راشداً وقد حضر في الوقت المبين في بطاقة الدعوة. فمما لاشك فيه ان انتظار وصول الضيف اذا طال أحدث الملل والتذمر لدى جميع المدعوين، وراشد رحمه الله بلغ من سمو الأخلاق وعظمة الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين ما جعله مدركاً ومقدراً لتلك الأمور.

كان راشد يعلم علم اليقين أن المدعوين لحضور افتتاح ما، على سبيل المثال، لديهم من الأعمال ما يشغلهم، وأنهم جاؤوا الى ذلك الاحتفال تلبية لدعوة وجهت اليهم، كما أنهم يرغبون في مغادرة ذلك المكان بأسرع ما يمكن. لذلك كله فإن راشداً كان يمقت التأخير، ويحرص كل الحرص على الحضور في الوقت المحدد، ولا يريد أبداً أن يترك الناس في مكان الحفل وقد خنقهم التذمر من جراء تخلفه عن الحضور في الوقت المحدد. لقد كان راشد حينما يلاحظ أحداً من المسؤولين في الدوائر الحكومية قد وصل الى مكان الحفل متأخراً، فإنه لابد وأن يسأله عن ذلك التأخير عاجلاً أم آجلاً، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يسأله عن سبب تخلفه لا ليوبخه ولكن ليشعره بأهمية احترام المواعيد، وليخلق منه رجلاً يقدر أوقات الآخرين، وليزرع فيه عادة التقيد بالنظام، وكنت تجد هذا المسؤول يبحث له عن عذر ما، أو ذاك يحاول أن يجد له مخرجاً من هذه الورطة، فلقد كان راشد قائداً متفقداً لأحوال المسؤولين الذين أنيطت بهم المهام لخدمة عباد الله.

وهكذا استطاع راشد بالفعل والعمل والجد والإخلاص ان يرسخ لدى المواطنين والمسؤولين مبدأ احترام الوقت، وكان ذلك أحد أهدافه السامية. فراشد لم يبن عمارات شاهقة فقط، وإنما بنى وأرسى قواعد ومثلاً أصبحت تنسب إليه، وكثيراً ما كنت تسمع قبيل موعد وصوله الشفاه وهي تردد قائلة: إن راشداً سيصل بعد كذا دقيقة من الآن. فوقت راشد منضبط بالدقيقة والثانية. وقد عرفت دبي، بل والإمارات كلها، ما أسماه أهلنا هنا، إذا ما أعطى أحدهم موعداً لآخر قائلاً: هل ستتأخر؟ فيرد عليه الآخر: لا فإن وقت وصولي 'كوقت راشد' أي انني سأصل في الوقت المحدد تماماً، ولقد سمعت بأذني من أحد الأجانب الذين عاشوا فترة طويلة في هذه الديار تعرف فيها على مواقيت راشد وحضوره في المناسبات، سمعته يقول: من قال ان التوقيت انجليزي؟ إن التوقيت العربي!!

وهناك من الأمثلة ما لا يُعد ولا يحصى على احترام فقيد البلاد الكبير للأوقات والمواقيت، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هذا التوقيت العالق بذاكرتي المغفور له الحاكم:

من المعروف أن شرطة دبي توجه بين حين وآخر دعوة الى المواطنين وكبار أعيان البلاد ورجال السلك الدبلوماسي والقنصلي وكبار ضباط القوات المسلحة والشرطة ومديري الدوائر الاتحادية والحكومية، تدعوهم فيها الى حضور مناسبات التخرج التي تقام من وقت لآخر. وفي مرات عديدة كنت سعيد الحظ بشرف مرافقة المغفور له الشيخ راشد إلى حيث يقام حفل التخرج. وقد كنت أتواجد في قصره الكائن بمنطقة زعبيل، وكان سموه يسأل عن الوقت بالضبط ما أن يقترب موعد الاحتفال، وكم يستغرق من الزمن، ذهابه من قصره إلى حيث يُقام الاحتفال؟ فأرد عليه قائلاً بأن وقت التخريج الساعة الخامسة مساء تماماً، وستستغرق من الوقت كذا دقيقة حتى تصل المكان.

يخرج سموه من قصره ويأمر السائق أن يسير بسرعة معينة كي يصل في الوقت المحدد. وبالفعل حينما تشير عقارب الساعة الى الخامسة تماما يدخل موكب سموه الى معسكر التدريب، ويأخذ التحية من آمر الطابور. ولذلك فإن من يصل متأخراً عن الساعة الخامسة خمس دقائق على سبيل المثال يكون قد فاته بداية الاستعراض. وكم سمعت بعض المدعوين الذين تأخروا خمس دقائق أو أقل أو أكثر من ذلك بقليل. كم سمعتهم يلومون أنفسهم، فراعي الحفل وصل في الوقت المحدد تماماً بينما هم تأخروا عن الوقت المحدد. كان بإمكان راشد رحمه الله أن يتأخر ما شاء له التأخير، فلن يلومه أحد على الاطلاق فيما لو تأخر عشر دقائق أو عشرين دقيقة، فهو بلا شك عليه من الأعباء الجسام ما قد يجعله أحياناً غير قادر على الالتزام بمثل تلك المواعيد، ولكن راشداً كان يملك من الاحساس والشعور العظيم بالمسؤولية ما يجعله مضرباً للأمثال، فالجميع هنا أضحى يصف التزام أحدهم بالوقت بوقت راشد.في الإمارات عرف موعد راشد بأنه موعد لا يتقدم ولا يتأخر أبداً، وأن وقت راشد وقت لا مجال فيه إلا للعمل الدؤوب والالتزام الجاد والحضور الدائم. إن راشداً بإصراره على احترام الوقت، ووصوله في الأوقات المحددة تماماً، كان يعلمنا كيف نتعامل مع الزمن، ويعلمنا تقدير الوقت واحترامه وإجلاله وتعظيمه، فهل لنا أن نقتبس من مسيرة هذا الرجل؟ رحمه الله وطيب مثواه وأسكنه فسيح جناته.