أولى دعائم التنمية 


في عام 1957 بذر فقيد البلاد الراحل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أولى بذور الخير والعطاء، وأرسى أولى دعائم التنمية الاقتصادية، فماذا يا ترى فعل؟ ولماذا؟

المغفور له راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله كان يملك القدرة على تحديد الهدف بكل دقة ووضوح، والانسان حينما يمنحه الله سبحانه وتعالى هذه الصفة تكون الرؤية أمام ناظريه واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض. إن كثيرين من الناس يتيهون في دوامة تزاحم الأهداف، فتختلط الصورة في أذهانهم، وبالتالي لا يقدرون على التحقق مما خطر على أفكارهم وخواطرهم، ثم تضيع الصورة فتتلاشى ثم تختفي. إلا أن بعض الرجال لديهم القدرة في أن يحولوا الصورة الذهنية الى صور واقعية حقيقية، ترى بالعين المجردة. المغفور له راشد بن سعيد آل مكتوم كان واحداً من أولئك الرجال البارعين الذين يمكنهم أن يحددوا أهدافهم، وأن يصلوا إليها بأقل النفقات وبأسرع الطرق. ففي ذلك العام اكتمل العمل في مشروع تعميق مدخل خور دبي، حيث كانت آنذاك تعيق حركة الملاحة فيه بعض الرواسب الرملية، ثم اتجه اهتمام سموه نحو جوانب الخور وبدأ العمل في إنشاء المراسي على جانبيه. نظر راشد الى البحر يتأمله من ذلك المكتب المتواضع الذي كان يداوم فيه بصفة يومية من الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من بعد ظهر كل يوم، ذلك المكان الذي أطلق عليه اسم 'مكتب الحاكم' . من ذلك المكتب البسيط الخالي من كل عقد الحضارة وزيفها نظر راشد الى البحر يتأمله. لقد كانت السفن بطيئة الحركة التي تظهر أمام عينيه بين الفينة والأخرى وهي قادمة الى دبي أو مبحرة في خورها سبباً جعله يفكر فيها وفي حركتها. تلك الحركة التي كانت كما قلنا تعيقها بعض العوائق الطبيعية في مدخل الخور وفي منتصفه وعلى كلا جانبيه، وراشد لا يرى المشكلة ويدير ظهره لها، ولا يستمع الى شكوى ثم يطبق أذنيه عنها، ولا يرى القديم فيتركه كما هو عليه. راشد بن سعيد آل مكتوم رجل يملك القدرة على التجديد والخلق والإبداع. لقد فطن راشد إلى أن الحركة التجارية يمكن لها أن تزدهر ازدهاراً كبيراً إذا ما تحسن وضع الخور وأضحى مناسباً لرسو السفن فيه. وارتسمت هذه الصورة في ذهنه المبدع الخلاق، وشرع راشد بكل ما يملك من حماس ومثابرة ونشاط، شرع في تنفيذ ذلك المشروع الحيوي المهم.



المغفور له راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله كان رجلاً لا يهدأ له بال، فكلما انتهى من إنجاز فكرة ما، راودته الآمال العراض في تحقيق الفكرة الأخرى. إنه رجل ملهم قادر على استكشاف المستقبل عن طريق الإلهام والتأمل. إن الموقع الجغرافي لكل الإمارات على طول امتداد الخليج متشابه الى حد بعيد، بيد أن الفكرة التي خطرت على بال راشد آنذاك لم تخطر على بال أحد من المجاورين، تخيل راشد خور دبي وهو يضم على ضفتيه السفن والمراكب التي تمخر عباب البحر في حركة مستمرة لا تعرف السكون أو الانقطاع، فمنها ما تغادره مبحرة الى مختلف الأقطار الخليجية والافريقية والآسيوية محملة بما شاءت لها الحركة التجارية آنذاك أن تجود به، ومنها ما تقدم الى البلاد عن طريق الخور، وقد خفضت من سرعتها وبدأت تسير سيراً بطيئاً، فقد أثقلت بأحمال مختلفة الأنواع والأشكال والألوان.


لقد أيقن راشد بما لا يدع مجالاً للشك ان الخور هو المنطلق الى الخارج، وان هذه البوابة المطلة على الخليج العربي لابد وأن تعمق وتشق لا لتستوعب القوارب والسفن والمراكب فقط، ولكن لتكون منطلقاً لآمال وأهداف راشد العراض التي تهدف الخروج من هذه البقعة الصغيرة وصولاً الى العالم الخارجي الكبير. إن الرجال لا تعرف المستحيلات، فبالرغم من قلة الموارد المادية آنذاك إلا أن راشداً اجتاز عقبة مهمة وصعبة حينما عقد العزم على اتخاذ القرار بتوسيع الخور وتعميقه وتنظيم شطآنه، وذلك لأن العملية مكلفة قياساً بالظروف المادية آنذاك، إلا أن راشداً ماهر وقادر على اجتياز العقبات، وبدأ العمل يسير على قدم وساق. وانتهى مشروع الخور. . وتسابقت السفن الى خور دبي، فمنها ما جاءت لتشتري ما طاب لها أن تشتري من البضائع، ومنها ما جاءت لتحتمي بالخور من تلاطم أمواج الخليج الغاضبة، من عواصف الشمال شتاء أو حين اشتداد رياح الكوس صيفاً، وأخرى جاءت لتقف في هذه المحطة الجديدة التي أنشئت على ضفاف الخليج كي يأخذ بحارتها قسطاً من الراحة ثم يواصلون السير بعد ذلك. وهكذا حقق تطوير خور دبي كافة الأغراض والأهداف التي أنشىء من أجلها. وها هو اليوم يشهد مدى حاجة البلاد إليه. وها نحن نشهد اننا أحوج ما نكون إليه.


لقد أضحى اليوم خور دبي قلب دبي النابض بالحياة وشريانها الذي لا غنى لها عنه، ففينيسيا الخليج اليوم تضاهي فينيسيا أوروبا بل وتفوقها حسناً وروعة وجمالاً. لقد حول راشد ضفتي خور دبي الى ضفتين رائعتين في جمالهما الأخاذ بالعقول والألباب، فبعد ان كان ذلك الخور يخيم عليه الظلام الدامس من كل حدب وصوب .إذا ما توارت الشمس خلف المغيب، أمست البلاد اليوم أنوارها وأضواؤها تتلألأ وكأنها عروس على وشك الزفاف،