راشد المسيرة والبناء 

يقف المواطن في دولة الامارات العربية المتحدة فخوراً ومتباهياً ومعتزاً كلما اقترب عن كثب من الانجازات التي حققها فقيد البلاد الراحل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم راعي المسيرة والبناء. راشد بن سعيد آل مكتوم كان رجلاً سياسياً قديراً استطاع ان يخلق علاقات أخوية وثيقة بينه وبين جميع الحكام بدول الخليج العربي في كل الظروف وفي جميع الأوقات والأزمنة، تتردد على ألسنة الناس هنا وهناك عبارات الثناء والإعجاب بهذا الرجل الذي كان اتحاد اماراتنا لبنة من لبنات أفكاره العظام التي امتزجت بطموحات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واندمجت بآمال اخوانهما حكام الإمارات.

إن المجالس في بلادنا هي المكان الذي تعودنا ان نسمع فيه وعن طريقه آراء الناس, الأصدقاء, الإخوة ,الأهل, الأقارب ... كل المواطنين صغيرهم وكبيرهم في نقائهم العربي الأصيل ويكاد أبناء خليجنا يتفقون في هذه الصفة الحسنة ألا وهي التعبير عن آرائهم بكل صدق وصراحة. ومنذ ما يزيد على عشرين عاما وأنا أطوف بمختلف المجالس قبل الاتحاد وقبيل الإعلان عنه، وعن طريق سنواته الأولى وبعد أن شب وترعرع واشتد عوده وبعد أن أضحى الاتحاد اليوم صرحاً شامخاً. .. وفي تلك المجالس وطوال تلك الفترة كنت أستمع الى هذا وأنصت الى ذاك يحدثني الرجل الأكبر سناً من راشد. يحدثني عنه حديثا يطول أو يقصر .. يتعلق بسياسة أو اقتصاد أو بناء أو غيره، ويعود بي في نهاية حديثه الى عبارة واحدة هي أن راشد لا مثيل له وأنه رجل من نوع نادر ومن طراز خاص ويحدثني رجل آخر. رجل من أولئك الرجال الذين يعتبرون من أبناء جيل راشد ومن الذين عاشوا عهد بداية النهضة وعاصروا حركته الدؤوبة وانطلاقته الميمونة نحو البناء والتعمير في مختلف الأصعدة، ويجرنا الحديث الى عصر ما قبل النفط ويتدرج محدثي في سرده للوقائع والحقائق إلى أن يصل بي في نهاية المطاف قائلاً:



راشد شخصية عربية فذة 

وأجلس مع هذا يحدثني بعفوية أهلنا التي تعودنا عليها الخالية من كل 'لف أو دوران' البعيدة كل البعد عن النفاق والرياء .. الصادرة من القلب. أجلس معه نتجاذب أطراف الحديث، ويسهب محدثي تارة، ويوجز تارة أخرى وأنا أستمع إليه دون قصد مني في الكتابة أو التأليف أو الرصد لمثل هذه الأحاديث أو تلك. ويطوف محدثي بذكرياته ويحدثني في أمور شتى ويتطرق في حديثه الى الكيفية التي كان يعالج بها راشد الأزمات، وما أن ينهي محدثي كلامه إلا وأرى علامات الاعجاب والتقدير لهذا الرجل بادية على وجهه. فيقول وبكل صدق وحرارة:



'راشد. راشد' 

أي انه إسم على مسمى. فقد كان حكيماً، سديد الرأي، يعالج الأزمات على هذا الأساس، وعلى ذلك النحو وبهذا الأسلوب المتسم بالحنكة والفطنة والدراية الواسعة. وانتقل من مجلس إلى آخر ومن جيل إلى جيل إلى جيل. جيل الشباب. ومع هذا الجيل يكون الحديث أشمل. والحوار أكمل. والأسلوب أجمل، المقارنة أدق والتحليل أكثر دقة، ومحدثي هذه المرة رجل نال من التعليم العالي والثقافة الواسعة ما يجعله في مكانة اجتماعية مرموقة، استمع إليه وأنا كلي آذان صاغية فما يصدر عن هذا الرجل وغيره من أبناء جيله يمثل رأياً لجيل حديث من أجيال شبابنا الواعي الذين تلقوا العلوم والثقافة من مصادر مختلفة واطلعوا على حضارات وثقافات العديد من الشعوب وتنقلوا بين أمريكا، وأوروبا، وآسيا وافريقيا، واستراليا. . يحدثني صاحبي هذا حديث المنقب والباحث الجاد والمنصف .. فيقارن تارة ويحلل تارة أخرى. ويبدي وجهة نظر علمية وموضوعية ويطول الحديث مع هذا الشاب الواسع الاطلاع. ويعقب عليه مثقف آخر .. ويضيف الى معلوماته شخص ثالث معلومة جديدة، ويتبادل الشباب أحاديثهم المبنية على العلم والمعرفة فيختلفون في بعض الامور ويتفقون في بعضها ولكنهم كلهم يجمعون على أن:

راشداً عقلية فذة 

والتقي محض الصدفة رجلاً من أبناء دول مجلس التعاون واستمع اليه دون سابق معرفة الى حديث يتصل بالموضوع نفسه. . فالرجل الخليجي هذا لا أعرفه. ولا يعرفني. لقد التقينا كما يلتقي الأخوة الخليجيون في سفراتهم من حين لآخر ويتعارفون بمجرد أن يلقي أحدهم نظرة على الآخر. لقد جمعتني الصدفة بذلك الرجل في أحد الفنادق في ذلك البلد الأوروبي البعيد. وما ان علم بأنني من أبناء الإمارات حتى بدأ صاحبي حديثه عن طيب الذكر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم .. والآن وبعد مضي هذه الفترة الطويلة بيني وبين صاحبي الخليجي فقد نسيت كل ما قاله من حديث إن دل على شيء فإنما يدل على حب وتقدير أهل الخليج لذلك القائد الفذ. اللهم إلا عبارة واحدة ظلت عالقة في ذاكرتي رغم تزاحم الهموم والأعباء ألا وهي:

'محظوظون أنتم براشد'. عبارة قالها. ثم افترقنا ذاهباً كل منا في شأنه. وبقيت جملته نبراساً يضيء بين حين وآخر ذاكرتي'.