راشد. يُعلن عن قيام الاتحاد 

المكان : قصر الضيافة بالجميرا

الزمان : الثاني من ديسمبر 1971م

والمناسبة : مناسبة لا تنسى وستبقى خالدة في ذاكرة التاريخ

والكلمة: لرجل أرسى دعائم لاتحاد عربي شامخ على أرض
العروبة

ففي ذلك الزمان والمكان دوت كلمة ضافية على مسامع التاريخ الحديث. تلكم الكلمة لقائد من قادة مسيرتنا الاتحادية، ألا وهو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وطيب ثراه ، وهذا نصها:

إخواني أصحاب السمو. أيها السادة . 
باسم دبي، وباسم شعب دبي نحييكم أطيب تحية، وبنفس تفيض بالبشر وتملؤها السعادة، نرحب بكم في بلدكم بين أهلكم وذويكم. أيها الإخوان 

لقد تم التوقيع على الاتفاقيات بإنهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل إمارة من إماراتنا والحكومة البريطانية، فتم بذلك استقلال إماراتنا وسيادتها على أراضيها. وما مضت ساعات قليلة على ذلك، حتى التقينا في هذا الاجتماع التاريخي لتحقيق ما تلاقت عليه إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا: لإعلان قيام الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، تستهدف توفير الحياة الفضلى لشعبها والاستقرار الأمكن لها، وتحمي حقوق وحريات مواطنيها، وتسعى لتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل ازدهارها وتقدمها في كافة المجالات، وتتطلع للانضمام لجامعة الدول العربية، وهيئة الأمم المتحدة، ومسايرة الركب العربي في مسيرته نحو أهدافه السياسية، ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب الصديقة على أساس مبادىء ميثاق الأمم والاتفاقيات الدولية

وفي هذه اللحظات التي يرقب فيها شعب إماراتنا المفدى والعالم بأسره، ما سيصدر عن هذا الاجتماع من المقررات، أبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يوفقنا لتحقيق ما اجتمعنا من أجله



والله ولي التوفيق ونعم النصير

ألقى الكلمة:المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نيابة عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم

وهكذا يشاء الله أن يعلن الاتحاد بكلمة من صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي كان الاتحاد لبنة كبيرة من لبنات أفكاره الخيرة النيرة، وتشاء إرادة الله أن يرتفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة على هذه الأرض الطيبة عالياً خفاقاً في سماء دبي معلناً بكل فخر واعتزاز عن قيام دولة الإمارات العريبة المتحدة. ويصفق المواطنون الذين احتشدوا للاحتفاء بهذه المناسبة العزيزة تصفيقاً حاراً يليق بقدوم هذا الابن الذي جاء ميلاده على أرض دبي مبشراً باتحاد الأشقاء في صف قوي متين ينبىء بمستقبل عظيم باهر. واصطف أصحاب السمو حكام الإمارات صفاً واحداً مع صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة حاكم دبي في وقفة تذكارية التقطتها عدسات الكاميرات في برهة وجيزة وتوقف أمامها التاريخ طويلاً محنياً هامته تقديراً واحتراماً لهذا التجمع العربي الفريد الذي تشهده أرض العرب بعد أن فرقتهم السنون

ومن المشرق العربي، من دولة الإمارات العربية المتحدة تسطع شمس الاتحاد مطلة بضيائها على العالم العربي والإسلامي، فتنهال التهاني والتبريكات إلى صاحب السمو رئيس الدولة ونائبه، وتبتهل الأمة بهذا الاتحاد الذي تشهده الأرض العربية لأول مرة في العصر الحديث، ويدوي صوت الاتحاد قوياً في كل بقاع العالم، وترحب الشعوب الصديقة بميلاد اتحادنا الذي أطل على العالم في الثاني من ديسمبر عام 1971م. في ذلك اليوم كنت ضابطاً صغيرا أملت علي مهام واجبات وظيفتي أن أكون ضمن من شهدوا لحظات ارتفاع علم دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة في قصر الضيافة بالجميرا، ولا شك أنني كنت سعيد الحظ كغيري ممن حضر تلك المناسبة العزيزة على قلوبنا جميعاً، فهي ولا شك لحظة من اللحظات النادرة الحدوث والتكرار. يومها كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه سعيداً أيما سعادة، لقد شدتني فعلاً فرحته التي ارتسمت على محياه، فكانت تعبر بحق عن صدق مشاعر هذا الرجل الذي يرى حلمه الكبير وقد تحقق أمام ناظريه

فراشد بن سعيد، هذا الرجل الذي لعب دوراً بارزاً وهاماً للغاية في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة كان يقضي الساعات الطوال واللقاءات الأطول من أجل إرساء القواعد التي سيقام عليها بناء الدولة الجديدة. لقد بذل راشد جهوداً جبارة خارقة في توحيد الصفوف وتشييد البناء. فكان الرجل الذي لم يبخل على الإطلاق بكل ما يملك من طاقات من أجل أن تصل المسيرة. مسيرة الخير والاتحاد والتلاحم إلى بر الأمان. إنه واحد من الرجال الأفذاذ الذين خططوا تخطيطاً منظماً متقناً لتأسيس دولة عربية تقوم على مبدأ الاتحاد في وقت كان فيه اتحاد العرب أشبه بالإعجاز. ومنذ ذلك اليوم انطلق الاتحاد قوياً كما ولد من قبل قوياً . انطلق نحو الأمام متقدماً بخطى ثابتة، واقفاً على قدميه في أرض حباها الله قوة وصلابة وقدرة على تحمل هذه المسيرة التاريخية



وبذل راشد كل ما وفي وسعه من أجل أن يكون البناء عظيماً محكماً قادراً على الصمود في وجه التحديات. وتواصل مسيرة البناء بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات، تواصل تقدمها نحو المستقبل الباهر يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة. وتنضم إمارة رأس الخيمة إلى قافلة المسيرة فتلحق بالركب الاتحادي. ويشتد التلاحم أكثر فأكثر. ويمر المولود بمراحل نموه المختلفة، وفي كل مرحلة يبرهن بأنه مولود عملاق لا مثيل له في أرضنا العربية

تمر السنون تلو السنين، ويشتد عود الاتحاد، ويضرب بجذوره في باطن الأرض، وتورق أغصانه بمزيد من الثمار، ويتباهى المواطنون صغيرهم وكبيرهم بما تحقق في عمر هذا الاتحاد الذي لولاه لما تحقق كل هذا التقدم الكبير الذي تشهده البلاد. لقد استطاع هذا الاتحاد أن يؤثر تأثيراً كبيراً في الساحة السياسية خليجياً وعربياً. فعلى الصعيد الخليجي أحدث قيام دولة الإمارات العربية المتحدة الهاجس الوحدوي لدى القادة الخليجيين. وبدأت دول الخليج تتحدث عن نواياها في قيام مجلس للتعاون الخليجي. ومهما اختلفت المسميات فإنها في واقع الأمر تصب في مصب واحد

وهكذا تأثرت دول خليجية تأثرًا إيجابيا بقيام هذا الاتحاد، وسعت بخطى حثيثة نحو قيام مجلس لدول الخليج العربي، يهدف إلى توحيد القوانين المختلفة، والتنسيق في المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية والأمنية والثقافية لصالح أبناء هذا الوطن الغالي. وعلى الصعيد العربي خلق قيام الاتحاد ميلاً كبيراً لدى قادة الدول العربية للعمل على قيام اتحادات أو تجمعات عربية شبيهة باتحاد الإمارات. ففي المغرب العربي أعلن عن قيام اتحاد مغاربي بين دول المغرب العربي الشقيق، وتجمعت دول عربية أخرى في تجمع عربي آخر. وهكذا لعب اتحاد الإمارات دوراً بارزاً في قيام اتحادات ومجالس عربية هادفة إلى جمع صفوف الأمة العربية، لما فيه خير الوطن العربي الكبير