حُرية الكلمة عند راشد 

حينما يخطر ببالي قصر الضيافة بالجميرا تقفز الى ذهني حرية الكلمة، وعندما يأخذني التفكر في مثل هذه المسائل بعيداً عن هموم العمل ويجول بي ذهنياً في مجالس الآباء والأجداد تسيطر على ذهني وعقلي وحواسي طيبة مجلس فقيد البلاد الكبير المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأشعر بحرية الكلمة عن طريق رائحتها الزكية التي تعبق فواحة بطيبها في ذلك المجلس المتواضع كصاحبه. في مجلس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأينما كان ذلك المجلس، سواء في قصره بزعبيل، أو قصر الضيافة بالجميرا، أو في مجلسه بمكتب الحاكم كان الإنسان مواطناً أو غير مواطن يشعر أنه يستطيع أن يتنفس بملء رئتيه كلما ضاق صدره بمشكلة من المشاكل الحياتية، فالصراحة تملأ جو مجلسه الكريم، ذلك المجلس الذي كان يعد منبراً حراً يعتليه الضعيف قبل القوي، ويتحدث فيه ما شاء له أن يتحدث ويعبر عن رأيه دونما تردد أو خوف.

شاءت الظروف أن أكون بحكم عملي متواجداً في مجلس راشد بشكل يكاد أن يكون يومياً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، رأيت الانسان مواطناً أو غير مواطن يتحدث بصوت مرتفع إذا ما أراد أن يوجه انتقاداً ما لأية مسألة من المسائل، ورأيت راشداً رحمه الله وطيب ثراه يصغي له بكل اهتمام، ورأيت كيف أن المجلس يتحول إلى برلمان يمارس بمنتهى الحرية مناقشة المسائل التي تهم المصلحة العامة، فيأخذ ويعطي، ويجذب طرف الحديث مواطن غيور ويهدأ الجميع ليستمعوا اليه وتعلو كلمة النقد مدوية تدق الآذان، وما أن ينتهي حتى يقف آخر مبدياً وجهة نظره، سواء كان ذلك بالتأييد أو المعارضة، وفجأة يهب آخر ليعلن قولاً ورأياً مناقضاً مبرراً انتقاده بمبررات يعتقد في صحتها، وهكذا يستمر الوضع وبشكل يومي حوالي ثلاث مرات، مرة حينما يستقبل في الصباح الباكر بعض المسؤولين وممن تعود أن يزور مجلسه صباحا في قصره الكائن بزعبيل، ومرة حينما يستقبل الناس في مجلسه بمكتب الحاكم، وأخرى في الفترة المسائية بقصر الجميرا، حينما تتاح الفرصة لكل من شاء له أن يحضر إلى المغفور له، سواء كان موظفاً أو غير موظف، وسواء كان مواطناً أو غير مواطن. في ذلك المجلس المستدير بقصر الضيافة رأيت برلماناً حراً ينتقد ما شاء له أن ينتقد، ورأيت حاكماً حليماً رحب الصدر لا يضيق بالنقد أبداً بل يشجعه، وسمعت كلاماً شديداً يوجه إلى الجميع بمن فيهم راشد، ورأيت للحرية مكاناً مرموقاً، وساحة واسعة وميداناً كبيراً في مجلس فقيد البلاد الكبير، وأنا لست الوحيد الذي سمع أو رأى أبداً، ولكنني ارتأيت أن أسجل صورة بسيطة عن مجلس راشد لتبقى في أذهان الأبناء، وما لم تدون الحقائق فانها بمرور الزمن تتلاشى وتختفي عن الأنظار، والحقيقة تبقى حقيقة ولكنها بين طيات الزمن قد تطوى فلا ترى.

لقد عرف المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بتقديره البالغ والكبير لحرية الكلمة، فقد كان يرى في هذا الصدد أن لكل رأيه الشخصي، وأن وجهات النظر وإن اختلفت فإنها يجب ألا تفسد للود قضية، وكان سموه حريصاً كل الحرص على ألا تفسد للود قضية، وكان سموه حريصاً كل الحرص على ألا توقف مجلة أو جريدة صدرت وهي تحمل بين دفتيها رأياً شخصياً لكاتب أو صحفي أو ناقد لأي أمر من الأمور حتى وإن كان ذلك العدد من الجريدة أو المجلة يحمل مقالاً مغايراً للحقيقة أو الواقع، كان رأي سموه دوماً أن يسمح لذلك العدد بالتداول بين الناس، لإيمانه ايماناً قاطعاً أن الناس يمكنهم أن يكتشفوا الحقائق بأنفسهم ويلمسوها لمساً فعلياً بأيديهم، وكان رد سموه دائماً وأبداً أن أي شيء لا يخالف قانون المطبوعات والنشر فإنه لابد وأن يأخذ مجراه ومساره دونما معارضة من أحد. إن راشداً مثال للحاكم الحكيم الذي يتيح لحرية الكلمة أن تصول وتجول في مجلسه الذي اعتاد المواطنون أن يلجوه دونما رهبة أو محاباة أو خلافهما. المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله عود أهل دبي على الكلمة الحرة، وعلى المجلس المفتوح، وعلى النقد البناء وزرع ورسخ هذا المفهوم في نفوسهم ترسيخاً قوياً عميقاً، ولو كان راشد فظاً غليظ القلب لانفضوا من حوله لكنه كان حليماً، كيف لا وهو الرجل الذي أرسى قواعد هذا البناء العملاق وأسس دعائم هذه المدينة العصرية الحديثة، فأذهل بناؤه كل عين ترى وكل عقل مدرك لمعنى التطور والرقي والازدهار.

لقد صان المغفور له الشيخ راشد حرية الرأي وحماها ودافع عنها، بل وكان داعياً اليها وما رأيت قط أحداً يوجه اليه الانتقاد مباشرة وجهاً لوجه من أقل الناس وأبسطهم في معرفة الأمور المتعلقة بالمصلحة العامة ويكون انتقاده شديداً وقوياً ولاذعاً، ورغم ذلك تحترم وجهة نظره احتراماً كبيراً وتقدر خير تقدير ويقابل بابتسامة ورضى وقناعة، فالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان على الدوام طيب القلب. رحب الصدر مؤمناً ايماناً عميقاً بأن الانسان ولد حراً.